صحة العائلة العربية

لا تغضب : 10 طرق للسيطرة على الغضب

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ :جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : مُرْنِي بِأَمْرٍ ، قَالَ : لاَ تَغْضَبْ ، قَالَ : فَمَرَّ ، أَوْ فَذَهَبَ ، ثُمَّ رَجَعَ ، قَالَ : مُرْنِي بِأَمْرٍ ، قَالَ : لاَ تَغْضَبْ ، قَالَ : فَرَدَّدَ مِرَارًا ، كُلَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ فَيَقُولُ : لاَ تَغْضَبْ .
– وفي رواية : أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ ، فَقَالَ : مُرْنِي بِأَمْرٍ وَ لاَ تُكْثِرْ عَلَيَّ حَتَّى أَعْقِلَهُ ، قَالَ : لاَ تَغْضَبْ ، فَأَعَادَهُ عَلَيْهِ ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ : لاَ تَغْضَبْ.
– وفي رواية : أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَوْصِنِى ، قَالَ : لاَ تَغْضَبْ ، فَرَدَّدَ مِرَارًا ، قَالَ : لاَ تَغْضَبْ . قال الرجل ففكرت حين قال النبي صلى الله عليه و سلم ما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله .

ما هو الغضب ؟
الغضب : هو حالة نفسية ، تبعث على هياج الإنسان و ثورته قولاً أو عملاً ، و هو مفتاح الشرور و رأس الآثام .
و قال أحدهم : الغضب هو تصرف لا شعوري و انفعال يهيج الأعصاب و يحرك العواطف و يعطل التفكير و يفقد الاتزان و يزيد في عمل القلب و يرفع ضغط الدم و يزداد تدفقه على الدماغ و تضطرب الأعضاء و يظهر ذلك بجلاء على ملامح الإنسان فيتغير لونه و ترتعد فرائصه و ترتجف أطرافه و يخرج عن اعتداله . و تقبح صورته و يخرج عن طوقه فان لم يكبح جماح نفسه تفلت لسانه فنطق بما يشين من الشتم و الفحش بما يندم عليه ولات ساعة مندم , و امتدت يده لتسبقه إلى الضرب و العنف و القتل .

ما هي اسباب الغضب ؟
هناك أسباب عديدة منها : المزاح الزائد , و الإعجاب بالنفس , و التعالي على الآخرين , و السخرية و الاستهزاء و اعتقاد أن الغضب من كمال الرجولة .
و قال الغزالي في الأحياء : الأسباب المهيجة للغضب هي الزهو و العجب و المزاح و الهزل و الهزء و التعيير و المماراة و المضادة و الغدر و شدة الحرص على فضول المال و الجاه و هي بأجمعها أخلاق رديئة مذمومة شرعا و لا خلاص من الغضب مع بقاء هذه الأسباب فلا بد من إزالة هذه الأسباب بأضدادها .
وقال المقدسي : ” من أسباب الغضب الحسد ، و الحرص ، فمتى كان العبد حريصاً على شئ ، أعماه حرصه و أصمه، و غطى نور بصيرته التي يعرف بها مداخل الشيطان . و كذلك إذا كان حسوداً فيجد الشيطان حينئذ الفرصة ، فيحسن عند الحريص كل ما يوصله إلى شهوته ، و إن كان منكراً أو فاحشاً . ( المقدسي : مختصرمنهاج القاصدين 3/1)    .

ما هي انواع الغضب ؟
قال ابن عرفة : الغضب من المخلوقين شىءٌ يُداخل قلوبَهم ، و يكون منه محمود و مذموم، فالمذموم ما كان في غير الحقِّ . و أَمّا غضب الله عزَّ و جلَّ ، فهو إِنكاره على من عصاه فيعاقبه . ( بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز للفيروز أبادي 1168) .

فالغضب نوعان :
الأول : الغضب المحمود :
و هو ما كان لله – تعالى – عندما تنتهك محارمه ، و هذا النوع ثمرة من ثمرات الإيمان إذ أن الذي لا يغضب في هذا المحل ضعيف الإيمان قال تعالى عن موسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- بعد علمه باتخاذ قومه العجل ( وَ لَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَ أَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَ أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَ لا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (الأعراف :150) .
و عن عائشة – رضي الله عنها – قالت : ما ضرب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم – شيئا قط بيده ، ولا امرأة ، ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله ، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله – عز و جل – ( رواه مسلم ) .
ومن ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال : خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَصْحَابِهِ ، وَهُمْ يَخْتَصِمُونَ فِي الْقَدَرِ ، فَكَأَنَّمَا يُفْقَأُ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ مِنَ الْغَضَبِ . فَقَالَ : بِهَذَا أُمِرْتُمْ ، أَوْ لِهَذَا خُلِقْتُمْ ؟! تَضْرِبُونَ الْقُرْآنَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ . بِهَذَا هَلَكَتِ الأُمَمُ قَبْلَكُمْ.
قَالَ : فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو : مَا غَبَطْتُ نَفْسِي بِمَجْلِسٍ ، تَخَلَّفْتُ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، مَا غَبَطْتُ نَفْسِي بِذَلِكَ الْمَجْلِسِ ، وَتَخَلُّفِي عَنْهُ ( أخرجه أحمد 2/178(6668) .
قال شوقي في مدح النبي صلى الله عليه وسلم :
فإذا غضبت فإنما هي غضبة * * * للحق لا ضغن و لا شحناء
الثاني : الغضب المذموم :
وهو ما كان في سبيل الباطل و الشيطان كالحمية الجاهلية ، و الانتصار للنفس , أو لأمر من أمور الدنيا الزائلة .
و هذه القصة توضح الفرق بين الغضب المحمود الذي لا يكون إلا لله و بين الغضب المذموم الذي يكون من أجل الدنيا .
فقد ذكر حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في الإحياء : أن رجلاً عابداً بلغه أن قوماً يعبدون شجرة فخرج لقطعها فقال له إبليس إن قطعتها عبدوا غيرها فارجع إلى عبادتك فقال لا بد من قطعها فقاتله فصرعه العابد فقال أنت رجل فقير فارجع إلى عبادتك و أجعل لك دينارين تحت رأسك كل ليلة و لو شاء الله لأرسل رسولاً يقطعها و ما عليك إذا لم تعبدها أنت قال نعم فلما أصبح وجد دينارين في ثاني يوم لم يجد فخرج لقطعها فصرعه إبليس فقال له العابد كيف غلبتك أولاً ثم غلبتني ثانياً فقال لأن غضبك أولاً كان لله و ثانياً للدينارين ( الأحياء 3/38) .

ما هو علاج الغضب ؟
جاء في الشريعة الإسلامية ذكرُ واسع لهذا الخلق الذميم ، و ورد في القرآن الكريم و في السنة النبوية علاجات للتخلص من هذا الداء و للحدّ من آثاره ، فمن ذلك :

1- الاستعاذة بالله من الشيطان :
قال تعالى : ” وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ “ ( الأعراف 200 -201 ) .
و قال : ” وَ إِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ” (36) سورة فصلت .
و عن سليمان بن صرد قال : كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه و سلم ، و رجلان يستبّان ، فأحدهما احمرّ وجهه و انتفخت أوداجه ( عروق من العنق ) فقال النبي صلى الله عليه و سلم :  ” إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد ، لو قال أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد ”  ( رواه البخاري و مسلم  ) .
و قال صلى الله عليه وسلم : ” إذا غضب الرجل فقال أعوذ بالله ، سكن غضبه “ ( صحيح الجامع الصغير ) .
و ربما تدلل هذه الاحاديث دلالة واضحة ان الغضب اصله و مرده من الشيطان اعاذنا الله منه .
2- السكوت :
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ” إذا غضب أحدكم فليسكت ” ( رواه الإمام أحمد المسند 1/329 و في صحيح الجامع 693 ، 4027 ) .
وذلك أن الغضبان يخرج عن طوره و شعوره غالباً فيتلفظ بكلمات قد يكون فيها كفر و العياذ بالله أو لعن أو طلاق يهدم بيته ، أو سب و شتم يجلب له عداوة الآخرين .

3- التغيير من الهيئة :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا غضب أحدكم و هو قائم فليجلس ، فإن ذهب عنه الغضب و إلا فليضطجع ) . و راوي هذا الحديث أبو ذر رضي الله عنه ، حدثت له في ذلك قصة :

فقد كان يسقي على حوض له فجاء قوم فقال : أيكم يورد على أبي ذر و يحتسب شعرات من رأسه ؟ فقال رجل أنا فجاء الرجل فأورد عليه الحوض فدقّه أي كسره أو حطّمه و المراد أن أبا ذر كان يتوقع من الرجل المساعدة في سقي الإبل من الحوض فإذا بالرجل يسيء و يتسبب في هدم الحوض ، و كان أبو ذر قائماً فجلس ثم اضطجع فقيل له : يا أبا ذر لم جلست ثم اضطجعت ؟ قال فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم …. و ذكر الحديث بقصته في( مسند أحمد 5/152 و صحيح الجامع رقم 694 ) .
وفي رواية كان أبو ذر يسقي على حوضٍ فأغضبه رجل فقعد …. ( فيض القدير ، المناوي 1/408 ) .
قال العلامة الخطابي – رحمه الله – في شرحه على أبي داود : ( القائم متهيئ للحركة و البطش و القاعد دونه في هذا المعنى ، و المضطجع ممنوع منهما ، فيشبه أن يكون النبي صلى الله عليه و سلم إنما أمره بالقعود و الاضطجاع لئلا يبدر منه في حال قيامه و قعوده بادرة يندم عليها فيما بعد . و الله أعلم ( سنن أبي داود ، و معه معالم السنن 5/141 ) .

4- الوضوء و الصلاة :
عَنْ عَطِيَّةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم:

” إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَ إِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ ، وَ إِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ ” . أخرجه أحمد 4/226(18148) . و أبو داود (4784).

قال ابن تيمية : ” وَ كَذَلِكَ الْغَضَبُ هُوَ غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ لِطَلَبِ الِانْتِقَامِ وَ هَذَا حَرَكَةُ الدَّمِ ؛ فَإِذَا سَكَنَ غَلَيَانُ الدَّمِ سَكَنَ الْغَضَبُ . ( مجموع الفتاوي 5/569 ).
روي أن معاوية – رضي الله عنه – حبس العطاء يوماً ، فقام إليه أبو مسلم الخولاني – رضي الله عنه – فقال له : “يا معاوية إنه ليس من كدك ، و لا من كد أبيك ، و لا من كد أمك ” ، فغضب معاوية غضباً شديداً ، و نزل عن المنبر ، وقال للناس : ” مكانكم  ” ، و غاب عن أعينهم ساعة ثم خرج إليهم و قد اغتسل فقال : ” إن أبا مسلم كلَّمني بكلام أغضبني ، و إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقول : ” الغضب من الشيطان ، و الشيطان خلق من نار ، و إنما تطفأ النار بالماء ، فإذا غضب أحدكم فليغتسل ، وإني دخلت فاغتسلت ، و صدق أبو مسلم ، إنه ليس من كدِّي ، و لا من كد أبي فهلموا إلى عطائكم “. ( إحياء علوم الدين 2/344 ).

5 – تذكر وصية الرسول صلى الله عليه وسلم بعدم الغضب :
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني قال لا تغضب . فردّد ذلك مراراً ، قال لا تغضب ( رواه البخاري فتح الباري 10/456 ) .
وعن علي بن الحسين : أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب .
في التوراة: اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت فلا أمحقك فيمن أمحق ، و إذا ظلمت فأصبر و أرض بنصرتي ، فإن نصري لك خير من نصرتك لنفسك .
بكر بن عبد الله المزني : أطفئوا الغضب بذكر جهنم . ( الزمخشري : ربيع الأبرار 1/144).

6 – تذكر ثواب من يكظم غيظه :
قال تعالى : { وَ لَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَ مَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَ إِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [فصلت: 34- 36].
ومن صفات المؤمنين المتقين : { ينفقون في السراء و الضراء و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس و الله يحب المحسنين } و هؤلاء الذين ذكر الله من حسن أخلاقهم و جميل صفاتهم و أفعالهم ، ما تشرئبّ الأعناق و تتطلع النفوس للحوق بهم ، و من أخلاقهم أنهم : { إذا ما غضبوا هم يغفرون } .
وقال صلى الله عليه وسلم : ” لا تغضب و لك الجنة “ ( حديث صحيح : صحيح الجامع 7374 . و عزاه ابن حجر إلى الطبراني ، انظر الفتح 4/465 ) .
ومما ورد من الأجر العظيم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ” و من كظم غيظاً ، و لو شاء أن يمضيه أمضاه ، ملأ الله قلبه رضاً يوم القيامة ( رواه الطبراني 12/453 و هو في صحيح الجامع 176 ) .
و أجر عظيم آخر في قوله عليه الصلاة و السلام : ( من كظم غيظاً و هو قادر على أن ينفذه ، دعاه الله عز و جل على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء ) ( رواه أبو داود 4777 و غيره ، و حسنّه في صحيح الجامع 6518 ) .

7- تذكر فضل الحلم و العفو :
قال تعالى : { وَ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَوَاحِشَ وَ إِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} (37) سورة الشورى .
وعن علي بن الحسين قال إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم أهل الفضل فيقوم ناس من الناس فيقال انطلقوا إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة فيقولون إلى أين فيقولون إلى الجنة قالوا قبل الحساب قالوا نعم قالوا من أنتم قالوا أهل الفضل قالوا و ما كان فضلكم قالوا كنا إذا جهل علينا حلمنا و إذا ظلمنا صبرنا و إذا أسى علينا غفرنا قالوا ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين ثم يناد مناد ليقم أهل الصبر فيقوم ناس من الناس فيقال لهم انطلقوا إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة فيقال له مثل ذلك فيقولون نحن أهل الصبر قالوا ما كان صبركم قالوا صبرنا أنفسنا على طاعة الله و صبرناها عن معصية الله عز و جل قالوا ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين ( أبو نعيم : حلية الأولياء 3/139 ).
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه فقال له عمر ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت و أمي قال رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة فقال أحدهما يا رب خذ لي مظلمتي من أخي فقال الله تبارك و تعالى للطالب فكيف تصنع بأخيك و لم يبق من حسناته شيء قال يا رب فليحمل من أوزاري قال و فاضت عينا رسول الله صلى الله عليه و سلم بالبكاء ثم قال إن ذاك اليوم عظيم يحتاج الناس أن يحمل عنهم من أوزارهم فقال الله تعالى للطالب أرفع بصرك فأنظر في الجنان فرفع رأسه فقال يا رب أرى مدائن من ذهب و قصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا أو لأي صديق هذا أو لأي شهيد هذا قال هذا لمن أعطى الثمن قال يا رب و من يملك ذلك قال أنت تملكه قال بماذا قال بعفوك عن أخيك قال يا رب فإني قد عفوت عنه قال الله عز وجل فخذ بيد أخيك فأدخله الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم عند ذلك اتقوا الله و أصلحوا ذات بينكم فإن الله تعالى يصلح بين المسلمين . ( هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه , رواه الحاكم في مستدركه ج 4/ ص 620 حديث رقم: 8718 ) .
و حدَّثوا أن جعفر الصادق كان ذات يوم يصب خادمه على يده الماء ، فسقط منه الإبريق، و تناثر الماء على سيده ، فنظر جعفر الصادق مُغضَبا ، فقال له خادمه : { وَ الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ }. فقال: كظمتُ غيظي . قال : { وَ الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ } . قال : عفوتُ عنك . قال : الخادم : { وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } . فقال له جعفر الصادق : اذهب فأنت حُر لوجه الله .
و كان الأحنف بن قيس ممَّن يُضرب به المثل في الحلم ، و قيل له ممَّن تعلمتَ الحلم ؟ فقال : تعلمتُه من قيس بن عاصم ، كانت جارية له تحمل سفُّودا من حديد ، فوقع منها على ولده الصغير ، فعَقَرَه فمات ، فدهشت الجارية و اضطربت . فقال الرجل : لا يُسكِّن روعها إلا العتق ، فقال لها : اذهبي فأنت حرة لا بأس عليك .

8 – معرفة أن الرجولة الحقيقة في السيطرة على النفس عند الغضب :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس الشديد بالصرعة ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) رواه أحمد 2/236 و الحديث متفق عليه .
و كلما انفعلت النفس و اشتد الأمر كان كظم الغيظ أعلى في الرتبة . قال عليه الصلاة والسلام : ( الصرعة كل الصرعة الذي يغضب فيشتد غضبه و يحمر وجهه ، و يقشعر شعره فيصرع غضبه ) ( رواه الإمام أحمد 5/367 ، و حسنه في صحيح الجامع 3859) .
فعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بقوم يصطرعون ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : فلان الصريع ما يصارع أحداً إلا صرعه قال : أفلا أدلكم على من هو أشد منه ، رجلٌ ظلمه رجلٌ فكظم غيظه فغلبه و غلب شيطانه و غلب شيطان صاحبه ( رواه البزار قال ابن حجر بإسناد حسن . الفتح 10/519 ) .
قال الشاعر :

ليس الشجاع الذي يحمي فريسته * * عند القتال ونار الحرب تشتعـل
لكن من كفَّ طرْفًا أو ثَنى قدما * * عن الحرام، فذاك الفارس البطل

و قال آخر :

ليست الأحلامُ في حالِ الرضا إنّما الأحلامُ في حال الغضبْ

9- التأسي بهديه صلى الله عليه و سلم في الغضب :
و هذه السمة من أخلاقه صلى الله عليه وسلم ، و هو أسوتنا و قدوتنا ، واضحة في أحاديث كثيرة ، و من أبرزها : عن أنس رضي الله عنه قال : كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و عليه بُرد نجراني غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة ، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم ( ما بين العنق والكتف ) وقد أثرت بها حاشية البرد ، ثم قال : يا محمد مُر لي من مال الله الذي عندك ، فالتفت إليه صلى الله عليه و سلم فضحك ، ثم أمر له بعطاء ( متفق عليه فتح الباري 10/375) .
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً استأذن على عمر رضي الله عنه فأذن له ، فقال له : يا ابن الخطاب و الله ما تعطينا الجزل ( العطاء الكثير ) و لا تحكم بيننا بالعدل ، فغضب عمر رضي الله عنه حتى همّ أن يوقع به ، فقال الحر بن قيس ، ( و كان من جلساء عمر ) : يا أمير المؤمنين إن الله عز و جل قال لنبيه ، صلى الله عليه و سلم : ( خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين ) و إن هذا من الجاهلين ، فوالله ما جاوزها عمر رضي الله عنه حين تلاها عليه ، و كان وقافاً عند كتاب الله عز وجل ( رواه البخاري الفتح 4/304 ) .
فهكذا يكون المسلم ، وليس مثل ذلك المنافق الخبيث الذي لما غضب أخبروه بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وقال له أحد الصحابة تعوذ بالله من الشيطان ، فقال لمن ذكره : أترى بي بأس أمجنون أنا ؟ اذهب ( رواه البخاري فتح 1/465 ) .
و أسمع رجل أبا الدرداء – رضي الله عنه – كلاما , فقال : يا هذا لا تغرقن في سبنا و دع للصلح موضعا فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه .
قال المعتمر بن سليمان كان رجل ممن كان قبلكم يغضب فيشتد غضبه فكتب صحائف و أعطى كل صحيفة رجلا و قال للأول إذا غضبت فأعطني هذه و قال للثاني إذا سكن بعض غضبي فأعطني هذه و قال للثالث إذا ذهب غضبي فأعطني هذه فاشتد غضبه يوما فأعطي الصحيفة الأولى فإذا فيها ما أنت و هذا الغضب إنك لست بإله إنما أنت بشر يوشك أن يأكل بعضك بعضا فسكن بعض غضبه فأعطي الثانية فإذا فيها ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء فأعطي الثالثة فإذا فيها خذ الناس بحق الله فإنه لا يصلهم إلا ذلك أي لا تعطل الحدود ( الإحياء 3/175 ) .
قيل لابن المبارك رحمه الله تعالى اجمع لنا حسن الخلق في كلمة واحدة قال ترك الغضب.
و لقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه و سلم : ( اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب و الشهادة ، و كلمة الحق في الغضب و الرضا، و القصد في الفقر و الغنى ) .

10 – التفكر في عواقب الغضب و آثاره و أضراره

آثار الغضب و أضراره كثيرة ، منها ما فيه إضرار بالنفس و منها ما فيه إضرار بالآخرين .
فمن الأضرار التي تقع على النفس : ما يحدث من الأضرار الجسدية بسبب الغضب و هو أمر خطير كما يصف الأطباء كتجلّط الدم ، و ارتفاع الضغط ، و زيادة ضربات القلب ، و تسارع معدل التنفس ، و هذا قد يؤدي إلى سكته مميتة أو مرض السكري و غيره . نسأل الله العافية .
و لو قدر لغاضب أن ينظر إلى صورته في المرآة حين غضبه لكره نفسه و منظره ، فلو رأى تغير لونه و شدة رعدته ، و ارتجاف أطرافه ، و تغير خلقته ، و انقلاب سحنته ، و احمرار وجهه ، و جحوظ عينيه و خروج حركاته عن الترتيب و أنه يتصرف مثل المجانين لأنف من نفسه ، و اشمأز من هيئته و معلوم أن قبح الباطن أعظم من قبح الظاهر ، فما أفرح الشيطان بشخص هذا حاله ! .
بل قد يؤدي الغضب إلى سب الدين و العياذ بالله , بل و الى الخروج كلية من الملة .
روي أن جبلة بن الأيهم بن أبي شمر الغساني لما أراد أن يسلم ، كتب إلى عمر بن الخطاب يعلمه بذلك و يستأذنه في لقدوم عليه ، فسرّ عمر لذلك و المسلمون ، فكتب إليه : إن أقدم و لك مالنا و عليك ما علينا ، فخرج جبلة في خمسمائة فارس ، فلما دنا من المدينة لبس جبلة تاجه و ألبس جنوده ثياباً منسوجة من الذهب و الفضة ، و دخل المدينة فلم يبق احد إلا خرج ينظر إليه حتى النساء و الصبيان ، فلما انتهى إلى عمر رحَّب به و أدنى مجلسه ! ثم أراد الحج ، فخرج معه جبلة ، فبينا هو يطوف بالبيت إذ وطئ على إزاره رجل من بني فزارة فحلّه ، فالتفت إليه جبلة مغضباً ، فلطمه فهشم أنفه ، فاستعدى عليه الفزاري عمر بن الخطاب ، فبعث إليه فقال : ما دعاك يا جبلة إلى أن لطمت أخاك هذا الفزاري فهشمت انفه ! فقال : إنه وطئ إزاري فحلّه ؟ و لولا حرمة البيت لضربت عنقه ، فقال له عمر : أما الآن فقد أقررت ، فإما أن ترضيه و إلا أقدته منك . قال : أتقيده مني و أنا ملك و هو سوقة ! قال عمر : يا جبلة ، انه قد جمعك و إياه الإسلام فما تفضله بشئ إلا بالتقوى و العافية ، قال جبلة : و الله لقد رجوت أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية ، قال عمر : دع عنك هذا ، فإنك إن لم ترض الرجل أقدته منك ، قال جبلة : إذن أتنصر ، قال : إن تنصرت ضربت عنقك . فقال جبلة : أخّرني إلى غدٍ يا أمير المؤمنين . قال : لك ذلك ، و لما كان الليل خرج جبلة و أصحابه من مكة ، و سار إلى القسطنطينية فتنصّر ، ثم إن جبلة طال به العهد في الكفر فتفكر في حاله فجعل يبكي و أنشأ يقول :

تنصرت الأشراف من عار لطمة * * * وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنفني منها لجاج و نخوة * * * وبعت لها العين الصحيحة بالعور
فباليت أمي لم تلدني و ليتني * * * رجعت إلى القول الذي قال لي عمر
ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة * * * و كنت أسير في ربيعة أو مضر
و يا ليت لي بالشام أدنى معيشة * * * أجالس قومي ذاهب السمع و البصر

( أبو الفداء : المختصر في أخبار البشر 1/111 , تفسير النكت و العيون للماوردي 2/332) .
ومن الأضرار التي تقع على الغير : انطلاق اللسان بالشتم و السب و الفحش و تنطلق اليد بالبطش بغير حساب ، و قد يصل الأمر إلى القتل .
روى عن علقمة بن وائل أن أباه رضي الله عنه حدّثه قال : إني لقاعد مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة ( حبل مضفور ) فقال : يا رسول الله هذا قتل أخي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أقتلته ؟ قال : نعم قتلته . قال : كيف قتلته ؟ قال : كنت أنا وهو نختبط ( نضرب الشجر ليسقط ورقه من أجل العلف ) من شجرة ، فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه ( جانب الرأس ) فقتلته إلى آخر القصة .
(رواه مسلم في صحيحه 1307 ترتيب عبد الباقي) .
ومن أعظم الأمور السيئة التي تنتج عن الغضب و تسبب الويلات الاجتماعية و انفصام عرى الأسرة و تحطم كيانها ، هو الطلاق . و اسأل أكثر الذين يطلقون نساءهم كيف طلقوا و متى ، فسينبئونك : لقد كانت لحظة غضب .
فينتج عن ذلك تشريد الأولاد ، و الندم و الخيبة ، و العيش المرّ ، وكله بسبب الغضب . و لو أنهم ذكروا الله و رجعوا إلى أنفسهم ، و كظموا غيظهم و استعاذوا بالله من الشيطان ما وقع الذي وقع ولكن مخالفة الشريعة لا تنتج إلا الخسارة .
فالغضب نزغة من نزغات الشيطان ، يقع بسببه من السيئات و المصائب ما لا يعلمه إلا الله .
قال سليمان ابن داود عليهما السلام يا بني إياك و كثرة الغضب فإن كثرة الغضب تستخف فؤاد الرجل الحليم و عن عكرمة في قوله تعالى و سيدا و حصورا قال السيد الذي لا يغلبه الغضب . ( الإحياء 3/164 ).
قال الشاعر :

و لم أرَ في الأعداء حين اختبرتهم عدوّاً لعقل المرءِ أعدى من الغضبْ

قال الحسن يا ابن آدم كلما غضبت وثبت و يوشك أن تثب وثبة فتقع في النار و عن ذي القرنين أنه لقي ملكا من الملائكة فقال علمني علما ازداد به إيمانا و يقينا قال لا تغضب فإن الشيطان أقدر ما يكون على ابن آدم حين يغضب فرد الغضب بالكظم و سكنه بالتؤدة و إياك و العجلة فإنك إذا عجلت أخطأت حظك و كن سهلا لينا للقريب و البعيد و لا تكن جبارا عنيدا و عن وهب بن منبه أن راهبا كان في صومعته فأراد الشيطان أن يضله فلم يستطع فجاءه حتى ناداه فقال له افتح فلم يجبه فقال افتح فإني إن ذهبت ندمت فلم يلتفت إليه فقال إني أنا المسيح قال الراهب و إن كنت المسيح فما أصنع بك أليس قد أمرتنا بالعبادة و الاجتهاد و وعدتنا القيامة فلو جئتنا اليوم بغيره لم نقبله منك فقال إني الشيطان و قد أردت أن أضلك فلم أستطع فجئتك لتسألني عما شئت فأخبرك فقال ما أريد أن أسألك عن شيء قال فولى مدبرا فقال الراهب ألا تسمع قال بلى قال أخبرني أي أخلاق بني آدم أعون لك عليهم فقال الحدة إن الرجل إذا كان حديدا قلبناه كما يقلب الصبيان الكرة ( الإحياء 3/164 ) .
قال شوقي :

غضبت فضاع أمري من يدي * * * و الأمر يخرج من يد الغضبان

منقول بتصرف من مصادر منوعة

 للمزيد من المقالات تابعونا على Facebook و Twitter  و +google و pinterest

تعليقات

تعليقات

1 تعليق

تابعنا